لم نخلق للعزلة وفي العشرة الحسنة دواء وان قست علينا
لم نخلق لنعتزل الناس، ولا لنحيا
في وحدة موحشة، وإنما جُبلنا على الأُنس، وجُبلت نفوسنا على الألفة، فلا نهنأ في عزلة، ولا نطمئن بوحدة، وإن ادّعينا القوة. نهفو إلى كلمة طيبة، ونظرة ودّ، وصحبةٍ تُربّت على ضعفنا، وتُحسن الإصغاء لأنيننا الخافت، ولو كان بيننا وبين الناس ما كان من الأذى والتعب.
وكلّ دعوى تُزيِّن لك الهرب من الناس وتُلبِسك ثوبَ الراحة، إنما هي دعوى مهزومة، تُخفي في طيّاتها قلبًا مُثخنًا بالجراح، قلبًا خذله قريب، أو آذاه حبيب، أو جرحه أيا ممن كان يعدهم مقربين، فآثر سلامته في الوحدة لأنه ما عاد يحتمل جراحه.
وكل نفس، وإن ادّعت الاكتفاء، فإنّها تشتاق، وإن عافت الزحام والمخالطة، فإنها تتوق لصوتٍ يُطَمئنها، ولحديثٍ يُربّت على وحدتها، ولنظرةٍ حانية عطوفة تُشعرها أنها لم تُخلق لكي تُهمَل أو تُهمَّش أو تُنسى.
إنما العزلة حيلةُ من ضاق صدره بالخذلان، فاستراح إلى كهف لا يُؤذيه، وسقفٍ لا يُعاتبه فيزدريه، وركن شديد لا يطعنه من الخلف إن التفت.
والناس، وإن ضاقوا، وإن قسَوا، وإن كثرَ فيهم الأذى والتجريح، فإنّهم بعضُ دوائك، كما كانوا لك يومًا بعضَ دائك، ولن تستقيم نفسُك على فطرتها إلا إذا خالطتهم، وصبرت على أذاهم، وأحببت فيهم ما بقي من خير، وغضضت طرفك عما أثقلتهم به الدنيا من وجعٍ ونقص، فإنك مثلهم تُخطئ وتصيب، وتَجرح وتُجرَح، وليس في الدنيا معصوم.
فإن طلبت صحبة بلا أذى فلن يبقى في حياتك أحدًا، وإن غفرت وتغافلت، وجدت في قربهم أنسك وسلواك، وفي القرب منهم حياة لا تجود عليك بها العزلة.
أمل عيد